الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
340
شرح ديوان ابن الفارض
من قوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث القدسي : « ما وسعني سماواتي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن » وهو وسع المعرفة باللّه تعالى فإن من عرف شيئا فقد وسعه . اه . يعبق المسك حيثما ذكر اسمي منذ ناديتني أقبّل فاكا ويضوع العبير في كلّ ناد وهو ذكر معبّر عن شذاكا [ الاعراب ] « يعبق » : مضارع عبق على وزن فرح يفرح وعبق الطيب عبقا وعباقة : لزق وبالمكان أقام ، والمراد هنا لمّا ناديتني لتقبيل فمك صار المسك ملازما للمكان الذي يذكر فيه اسمي لأجل مجرّد مناداتك لي لتقبيل فمك . وفي البيت مبالغة عظيمة لأنه أولا ما قبّله بل ناداه للتقبيل ، فبمجرّد ذلك صار المسك مقيما بمقام يذكر فيه اسمه فكيف لو حضر رسمه . قوله « ويضوع » : مضارع ضاع المسك إذا تحرك فانتشرت رائحته كتضوّع . و « العبير » : الزعفران أو أجزاء من الطيب مختلطة . والنادي : متحدّث القوم . والذكر بكسر الذال المعجمة هنا عبارة عن نفح الطيب . شبّه نفح الطيب بالذكر الذي هو القول وحذف المشبه وأبقى المشبه به ، فيكون استعارة مصرّحة أو تشبيها بليغا ، لأن لفظة « هو » عبارة عن المشبه . وقوله « معبر » : اسم فاعل وقع ترشيحا لكونه مناسبا للمستعار منه ، لأنه يقال هذا قول عبّر به عن كذا . والشذى : الرائحة الطيبة ، وهو بالشين المعجمة والذال المعجمة . ومعنى البيت الثاني إذا ضاع العبير فإنما هو نوع من التعبير عن شذاك الذي فاح وانتشر في جميع البطاح ، فليس في الوجود طيب انتشر ولا مسك فاح واشتهر إلا وهو ناقل شذاك الذي يحيي القلوب وينعش الفؤاد المكروب . وفي البيتين القرب بين ناديتني وناد ، وبين العبير ومعبّر . ( ن ) : قوله فاكا : الخطاب للمحبوب الحقيقي وذلك كناية عن مصدر الكلام الإلهي الذي هو صفة المتكلم ، وهو الذات . والتقبيل كناية عن الكشف عن غيب الذات بالتحقيق بحقيقة الوجود الحقّ بعد فناء كل ما سواه والرجوع إليه به . المعنى : أن كل مجلس ذكر فيه اسمه يعبق فيه مسك الحقائق والمعارف فضلا عن حضوره بذاته وذلك إنما كان من حين ناديته بالكلام الربّاني من دون حرف ولا صوت فيقع في القلب أثره . قال تعالى : رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [ آل عمران : الآية 193 ] وهذا المنادي هو داعي الرشاد بالاستسلام . والعبير أخلاط الطيب كناية عن مجموع الأسماء والصفات الإلهية الظاهرة بظهور الناظم قدّس اللّه سرّه . وقوله وهو أي ذلك العبير ذكر مخبر عن كمال المعرفة بك والكشف عن أسرار تجلياتك . اه .